عِندما بلغ إبني السادسةَ من عُمرهِ صِرتُ أضعُ له مفاتيح السيّارة على الطاولة التي تبعُد كلانا بضع خُطًى... أطلُب منهُ.. لا بل أأمُرهُ بأن يقوم بجلبها لي... كان يُلبّي بكلِّ رحابةِ صدرٍ فصفعتُه و قُلتُ له "إياكَ أن تقومَ يوما بشيءٍ أنت جاهلٌ للغاية من القيام به"... فنزلت من محجريْ عينيهِ دمعاتٌ بريئةٌ فطرت قلبي، لكنّي حاولتُ عدم إظهار ذلك، لأنّي وددتُ أن تكون الصفعة الأولى له من والده، لا من عِند الحياة. حلَّ الليل، قمتُ بإصطحابِه إلى متجرٍ صاحبُه يكونُ صديقًا لي، إشتريتُ لهُ المُثلجات، و كُنت أتبادلُ أطرافَ الحديث مع صديقي تارةً و أقوم بمُداعبةِ شعرِ إبن و سؤالِه "ما رأيكُ" إذا ما تطرقنا إلى موضوعٍ كان محلَّ نقاشٍ تارةً أخرى... شعُر و كأنّني أعتذَرُ عمَّا جرى.. لكنّ طرفُ حديثٍ ما جعلني أقول لصديقي و هو يسمعني "لا تقلق، إبني لن يخدَعَهُ أحدٌ أبدًا" حينها أدركَ أنَّ ما جرى في الصباح كان مقصودًا، و أنّني لستُ مدينًا له بأيِّ إعتذار.
كبُر أكثر، حينها بدأ يرى إبني تردّي وضعي المادي أنا و والدته... كُنتُ غالبًا ما أقوم بإرساله حتى يعمَل كعامل بناءٍ أو للقيامِ بخدمةِ طلاءٍ عند أصحابِ البيوت الراقية لجلب بعض المال و إعالةِ نفسه... كان المسكين في كلِّ مرةٍ يعمَلُ و لا يتقبّل أجرًا... كانوا يخدعونه و يستغلّون صغرَ سنّه و جعله يعمل مجانًا.
كُنت آخذُ سيّارتي التي خبّأتُ وجودَها على ناظريهِ طيلةَ سنواتٍ في آخر الزُقاق الذي نقطُن فيه، و أتوجَّهُ بها إلى العمل...
كُنتُ أخفي ثرائي عن إبني... إبني الذي صار ذو قلبٍ صلبٍ في معاملته مع البشر بعد النكسات التي تعرّض لها و للخيانات كذلك...
إقتربَ منّي في يومٍ من الأيام، إبني... ههه.. ذاك، من برزت لحيتهُ أخيرًا... من كَبُر سريعًا... قال لي:
"أبي، لقد أخفيتُ عنكَ أمورًا كثيرةً. صحيحٌ أنَّهُم قاموا بخداعي، و لم يعطوني مالًا مُقابلَ العمل.. لكنّني في كلِّ مرَّةٍ في المدرسة يَقوم بمُناداتي غريبٌ ما، يقوم بمدّي بظرفٍ فيه أموالٌ ثمَّ يفرُّ... الغريبُ أنَ المال الذي جنيتُه من هؤلاء الغرباء الذين لازلتُ لا أفهَمُ قصَّتهم، يُعادلُ المال الذي أنتظِرُه من هؤلاء الأثرياء الحقيرين الذين قاموا بخداعي."
مرّت الأيام و أنا في كلِّ مرّةٍ أُبدي إستغرابي من القصّة التي رواها... مرّت الأيام حتّى بلغَ الزمان ساعةَ وفاتي.
كُنت كاتبًا يُدخِّنُ كثيرًا... لم يتمكّن أحدٌ من إنقاذي.. من نفسي. حقيقةً، كنتُ أعلمُ أنَّ وفاتي سوف تكون بسبب التدخين بلا شك... كُنت إذا ما شعرتُ بآلامٍ في قلبي و أنا أُدخِّن، اقوم بوضع السيجارةِ في صحن السجائر حتى لا يُفتعل حريقٌ إذا متُّ و السيجارة في يدي... أي أنّني كُنت لا مُبالٍ إلى تلك الدرجة.
و فعلا، نهايتي كان مُخطّطًا لها... كُنت بصدد سحب دُخانِ سيجارةٍ و إذ بها آلام قلبي تزورني من جديد... قُمت بإطفاء السيجارة هذه المرة، لم أكتفِ بإبعادها بحيثُ أنقذُ الوضع من حريقٍ ما... لأنّني شعُرتُ أنّني أغادر.
إرتميتُ سريعًا على أوراقي و أقلامي... وضعتُ أول قلمٍ إعترضني بين أصابعي، و إعترفتُ لإبني و قلتُ لهُ أنّنا لم نَكُن فقراء أبدًا، و أنَّ السبب وراء عدم تمكُّن أبناء الحي من خداعه و جرِّه نحو تدخين السجائر و الحشيش هي تلك الصفعةُ التي تلقّاها منّي في سنِّ السادسة، و أنَّ اللذين عمل عندهم و لم يُعطوهُ أجرَهُ أنا من أردتُ منهم أن يقوموا بذلك، هم لم يدفعوا شيئًا، انا دفعتُ لك مكانَهم، أنا دفعتُ لك أجرَ خدمةٍ كُبرى قدّمتَها لي... خدمةٌ أنَّك كُنت لي بطلًا.
أما بخصُوص ذلك الغريب الذي يتنكّر في كلِّ مرةٍ لإعطائك مالك، الذي هو مالي، فالبقاءُ لله، مات المسكين بنوبةٍ قلبية، إعلم أنَّهُ قد أحبّك كثيرًا.