1987، فلسطين، غزة.
..."أَهدموا كل هذه البنايات، بناء فوضوي، بِرك ماءٍ متسخة في كل مكان، عددٌ كبير من المواليد، لا إحترام للعدالة. أهدموا البيوت بالدبَابات فهم لا يفهمون بغير هذه اللغة." قالها "إسكي" الجنرال الصهيوني.
 لقد أخذوا مني كل شيء، ولم يكن الكل شيءٍ خاصتي بالكثير، إلا أنه كان كل ما أملك. كنتُ صغيرا في سن السادسة من العمر، لا أفهم الكثير، لكني واعٍ لحدٍ أقصاه أن أفهم ما كان يجري يومها في حينا بغزة. إنطلقت كل قواهم فور تلقيهم أمر جنيرالهم نحو البنايات الصغرى بالدبابات و أخذت تطحنها واحدة تلو الأخرى دون شفقةٍ أو تردد، لم أكن أسمع يومها صوتا ما عدا صوت الحجارة التي تسقط قطعة قطعة فوق رؤوس المساكين أبناء الحي، حجتهم دوما كانت هي أننا نقوم ببناء الكثير من البنايات، أين؟ فوق أرضِ الإنسان التي إدعوْا أنها أرضهم بينما كان ما كلفه كل بيت من تلك البيوت لا يتجاوز سعره سعرَ سلاحٍ واحدٍ من أسلحتهم. لم يتركوا لنا أي شيءٍ ما عدا الفقر و الدموع، و بعض قطرات الماء التي نستطيع إستعمالها مرةً في الشهر لمدةِ دقائق..
متأكدُ من أن الكثيرين ماتوا.. لكن الصدمة لم تترك لي الخيار سوى ذرف الدموع على والداي اللذان أركبوهما في شاحنتين منفصلتين.. كان كلاهما قد أحبَا بعضهما البعض و كل ما إستطاعت أيديهما القيام به لحظتها هو محاولة مقاومة الجنود الذين كبَلوهم و منعوهم عن إمساك يد أحدهما للآخر ...
أما أنا فلم يقترب مني أيٌ من هؤلاء المجرمين إلا عندما أُغلقت أبواب الشاحنتين اللتان أخذتا والداي و اللتان إتَجهتا كل واحدةٍ بينهما في إتجاه مختلف..
حبيباي، ذهبا و الدموع في عينهما، حتى أبي.. أبي الذي لطالما عهدته بجديته و قوته.. كان يبكي فلقد كنتُ إبنه الوحيد، على عكس العائلات الأخرى التي تواجدت في القرية و التي عٌرفت بإنجابها للكثيرين.. أخبرني أبي لما كنتُ في الخامسة بسبب تسميته لي بعلي، قال لي أنت علي كنعان إسمك على إسم جدَك الذي إستشهد بعد أن دعس على لغم أثناء الكفاح. أنت يا علي مستقبل بلادنا و رحمةٌ للإنسان فيها... كان دائما يقول ألّا أتعصَّب للدين، بل عليَّ أن أتعصَّب لخسارة الإنسان، و وجعِ الإنسان، و خيبة الإنسان.
رحل يومها تاركا إبنا يملأه حب الإنتقام متيما بالرغبة في دعس كل من أراد عدوان هذه الأرض و من فيها..
إقترب مني الجنيرال إسكي و كانت آثار الحرق تبدو على نصف وجهه الأيمن، سبحان الله الذي شوَه وجوه الشياطين أمثاله، ربَت على كتفي كأنه يُواسيني، إبتعدتُ عنه ثم بصقتُ في وجهه فضحك، ضحك و تجاهل أمري إلا أن جُنديه الحارس الرخيص قام بضربي بمؤخرة البندقية على رقبتي فسقطتُ ارضا.. أفخر لأمرٍ ما قمتُ به يومها، لقد نظرتُ إليها نظرة المظلوم، الذي لا يذرف دموعا أمام ظلم المحيطين به.. رأى نظرتي تلك فتزعزع كيانه، فسحب مسدسا من حِزامه و وجه به طلقتين في وجه الجُندي الذي أصابني و أسقطه هو الثاني قتيلا قربي. كنتُ فتىً غير ناضجٍ لكنني تعودتُ على فهم البشر من أفعالهم و نظراتهم بفضل الاضطهاد الذي شهدته منذ أن فتحت عينيَا على الدنيا، و خبرتي جعلتني أميز تصرف الجنيرال الأخرق ذاك عن التصرف النبيل و الذي يدَعي البطولة و عن التصرف الخبيث الماكر الذي يهدف إلى غايةٍ شيطانيةٍ ما في باطنه مع طرحِ غايةٍ نبيلةٍ في ظاهره.
لم أر الجينرال بطلا في عيني عندما سقط ذلك المٌجرم، لكنني خططتٌ لأمرٍ ما سأنفذه على إمتداد سنوات و زدتُ تأكدا من نجاحه لما مدَ لي إسكي يده و قال لي :
-أنت شجاع ليس كغيرك من الفلسطينيين، هاتِ يدك. سأجعلك تحيى حياةَ افضل بكثير من حياةِ هؤلاء المغفلين.
لقبني بالشجاع، ليس كغيري من الفلسطينيين، لكن أسوأ مخاوفه هي..الفلسطينييون. لم تعرف أرضنا فلسطينيا جبانا من الأساس. أحسن أجدادنا تربيتنا فنشأنا أمةَ تحيى فقط للإنتقام بعد أن وقعت كل دٌول العالم على قرار أن نحيى حياةً أشبه بالموت، أو ربَّما أسوأ منهُ.
كان ينطق بكلماته بينما أتا كنت مبقيا على عقدة الغضب في وجهي، صمت بعد أن أكمل كلامه و حدق بي، إنتظر إجابتي بحماسٍ كبير، فعدم قتلي يُعدٌ مشروعا مربحا إليه، و بعث رصاصةٍ في دماغي ستخسره فرصة إضافة جنديٍ جسورٍ لا يهاب الصعاب إلى جيشه. أطلت إخافتي إليه بنظارتي، لكني سرعان ما آتخذت قرارا. إبتسمتُ إليه و صافحته. ثم قلت بلهجة لم تجعله يشك بتاتا في أنني فتىَ صغيرٌ يُفكر في التحيلِ :
-أ هنالك دمىَ جميلة في المكان التي تأخذني إليه؟ لاطالما حلمتٌ بالحصول على واحدة.. يأست من العيش هنا، و يأست من والدين يرفضان طلباتي في كل مرة.. خٌذني حيثٌ تذهب و لا تبخل عليَ رجاءا، يكفيني أنني لن أراهما مجددا و أنه لم يعد لي مكانٌ أسكن فيه.
فرح كل الفرح لما أخبرته بذلك، و لم يتردد في مصافحتي بالمرة، أضفتٌ بعد أن إنطلت عليه الخدعة و قلت :
-شكرا على إنتقامكَ لي من ذلك الخبيث، الإنتقام أمرٌ جميل أليس كذلك، يا عم؟
أرسل قهقهة كقهقهة غيره من المجرمين ثم قال:
-بالطبع هو جميل، أنا هنا كي أنفذ ملايين الإنتقامات، و أنت ستقف إلى جانبي، أ ليس كذلك؟
-بالطبع، و أنا أيضا لي إنتقامٌ أيضا.
عَجب إسكي لما قلته لتوي، تمله الشك و إنتابه التعجب في كلام إبن السادسة من العمر ذاك ثم قال :
-و إنتقامك سيكون من من؟
أجبت :
-من هذه الأرض التي سلبتني طفولتي. أنت منقذي، أنت مٌصلح بعثه الرجل الذي في السماء إلي كي تنتهي معاناتي، أنت تساعدني بإنتقامي و أنا أفعل بالمثل، هل إتفقنا؟
إبتسماته الماكرة قدمت لي الإجابة، فلم أفكر مرتين بأن أقابله بنفس البسمة.
أخبرني والدي في السنة الماضية أيضا أنهم سيعرضون علي المجيء معهم، و ترك لي حرية الإختيار، الإجابة تلك لم يعلمني إياها أي شخص أو شيء سوى الإنتقام و الرغبة فيه. علمني والدي بعض الحيل كتلك، و أخبرني أنني علي أن أوظف دهاء بعض البشر في صالح الخير.. قالها فأيقنتٌ أنني الخَيَرٌ الوحيد الذي سيتصف بالدهاء، فالطيبة المُطلقةُ لن توصلك بتاتا إلى مبتغاك، مهما حاولت.
***
2013 ، واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية.
فتحتٌ عيناي في غرفة الفيلا التي منحني إياها الرئيس بول غرين صاحب وكالة القتلة المأجورين بالبلاد فجأة، لم أكن مذعورا، و كذلك لم أكن بخير. رأيت لتوي حلما غريبا، لم أتذكر أنني مررتٌ بشيء مثله، و كم كان غريب ما رأيتٌ .. فهذه المرة الأولى التي أرى فيها حلما بذلك الوضوح، أشعر و كأن ما مر علي قبل إستيقاظي أنه حقيقة.. لكن.. لا أعلم لما تراودني مثل تلك الأمور.. ذلك الولد الذي صٌفع و سقط ارضا، و خطابه للعسكري الذي أمامه .. أمران جذبا إنتباهي، لكن يظل السؤال، لما؟ لما أرى هذا النوع من ال...و هل يعد هذا كابوسا أم ماذا؟؟
لا أحد يعلم الإجابة أفضل من أبتي، القس آرون الذي قام بتبنيي منذٌ أن كنتٌ طفلا.. مشردا في شوراع واشنطن العتيقة..