إنَّ العقل
البشري البسيط، أضعف من أنَّه يترك أسئلة دون إجابة، فالحال أن الإبهام المُحاط
حول الأمور يخيفه، لهذا تراه يبحث في ظاهر الأشياء، ظانًا أنَّها باطنُ الأشياء،
لإرضاء نرجسيته، للتوصل لإجابات يُرضي بها خوفه من الإبهام.
لنأخذ
مثالًا. إبني أعاد لي ثلاثَة دنانير بعد أن أعطيته عشرةَ دنانير لشراء بعض
الحاجيات و التي كُلفتها ستة دنانير فقط، أي أنَّ الباقي يجب أن يكون أربعة، لا
ثلاثة دنانير. أين هو الدينار المفقود؟ آه، إبني إختلس ذلك الدينار، فهو عوَّدني
على إرجاع مالٍ منقوص.
أ يُعدُّ
هذا دليلًا على أنّ إجابة على سؤال: أين الدينار المفقود، إجابة صحيحة؟
مثالٌ آخر:
قال أستاذ العربية أنَّ الهمزة تُكتب هكذا، لا هكذا... هل أن واقع أنّه أستاذ
عربيةٍ، دليل على أنَّ كلامه أصحُّ من كلامي؟
في المثال
الأول عانينَا من مُشكل يتمثل في: تكرر الحادثة أكثر من مرّة يعني صحّة إنطباعي، و
في المثال الثاني عانينا من مشكل: هو مُلمُّ بمجال اللغة أكثر منّي مادام هو
الأصح... لكن هل هذه الإنطباعات صحيحة؟
لنفترض
أننا في الحالة الأولى لم نتمكن من إثبات إدانة الإبن في حادثة فقدان الدينار، هل
يعني هذا أن نضع إجابة على هوانَا، أو الإجابة الأقرب للصواب، على أنّها صواب؟
لنفترض
أننا لم نتمكن في الحالة الثانية إثبات كلام من هو الصحيح، كلامي أو كلام الأستاذ،
هل يتطلب هذا أن نضع الإجابة الأقرب للصواب، على أنها الصواب، بتفضيل إجابة
الأستاذ على إجابة التلميذ؟
سنضعُ
مثالًا آخر، أكثر جدّية.
لنبحث في
مسألة أصل الوجود.
هل عجز
العلم عن الإجابة عن أصل الوجود، يقتضي منّا أخذ إجابةٍ جاهزةٍ من الدين؟
في
الحقيقة، نحنُ نواجه يوميًا مسائل ستختبر مدى صبرنا و مدى قدرتنا على التفكير،
فالإجابة ليست مهمةً بقدر أهمية كيفية توصلنا إلى الجواب.
فالأصح هو:
مادمتُ لا
أملك ما يدين إبني في مسألة ضياع الدينار، فإنّ الأمر يضلُّ مُبهما إلى أن أجد
الدليل.
مادمتُ لم
أجد إجابة من المصادر اللغوية الصحيحة التي تحدد كيفية رسم الهمزة، فإنّي أضلُّ
دون إجابة إلى أن أجدها في مكانها المُناسب.
مادمتُ لا
أعرف مُسبب الكون، فسأضل جاهلًا للإجابة إلى أن أجد إجابةً مُدعمةً بدلائل ملموسة.
أعتقد أنَّ
الإنسان في حاجةٍ لأن يكون أكثر صدقًا و تصالحًا مع نفسه، فإلى متى سأضلُّ أضع
الإجابات على هواي، ما دمتُ قادرًا على التريث و إنتظار الإجابة المُناسبة؟ فهل
بقائي أعزبٌ لسنوات طويلة يقتضي منّي الزواج بأي إمراة؟ و هل بقائي دون عمل يقتضي
منّي إشتغال عملٍ لا أحبُّه؟ و هل بقائي جاهلًا سبب قدومي للكون، يقتضي منّي
القبول بإجابات كان المُفكرين يسمّونها أساطير من المُفترض أن تُروى للأطفال
لتسليتهم؟
